Pages

mercredi 23 novembre 2016

ويبقى الصراع مستمرا بين لا ونعم

ويبقى الصراع مستمرا بين لا ونعم

عبد القادر لهويتر


عندما أردت شراء حمامة....قلت باسم الله وتوكلت على الله...فتزودت بمكبرة في
جيبي...ووضعت في رأسي عددا ...وفي عقلي نقشت فكرة...وبين عيني رسمت هدفا...وفي جيب آخر على شمال صدري قرب القلب وضعت غلافا ولففت هذا الغلاف الأصفر بقطعة من قماش ... نعم انها النقود...تملك الأجنحة كالحمام.
تعمدت وضعها في هدا المكان بالذات لعلها تكون حجابا يمنع كل تأثير من الإحساس المزيف ... خطة للوقاية من الاندفاع
لا احب ان اجلس خارج القفص ويؤتى لي بالحمام لتفحصه بيدي... في هذه الحالة لا يتجاوز العداد في رأسي مئوية مقنعة..بل أحب التواجد داخل قفص الحمام.
دخلت...... وبعدما جلت بعيني على محتوى القفص.. ... ركزت اهتمامي على مجموعة من الحمام تتواجد على الأرض كانت منشغلة بالنقر في شيء لم انتبه اليه...لم يكن هناك كرسي اجلس عليه فنزلت بجسدي بكل هدوء كي لا ازعج الحمام فيضطر للصعود الى وكره قبل أن اتفحصه بعيني ...
أحب أن أرى الحمامة على الأرض لتمكنها من الحركة بكل طلاقة. ..أحب أن أحس الإيقاع الدي توقعه ...أحب أن أتمتع في رشاقتها وتالقها وانسجام جسمها...أحب أن اراها تمشي. ...وقد يفيدني هذا في التعرف عليها أكثر.
يبدأ العداد بمجرد ما تشدني حمامة اليها ...عندما يوقفها حضوري عن الحركة وتهتم بالنظر الي. ..كأنما تتساءل من انا وماذا أريد ...بحيث أن هناك حمام لا يبالي ولا ينتبه ولا يعير أي اهتمام...
لا احسم أن هذا النوع من الحمام لا يساوي شيئا .... وإنما - وبكل بساطة - من لا يعيرني اهتماما لا اعيره بدوري أي إهتمام.
ما كدت استوي في قعودي حتى بادرت حمامة برفع رأسها لتنظر الي بتساؤل واستفسار. ..ثم تلقي نظرة على وكرها. ..تعاود نظرة أخرى الي ثم تصعد مباشرة إليه.
أحسست أن العداد في رأسي قد بدأ يتحرك ...حينها وقفت وبكل هدوء دائما ...اقتربت منها...وقد ألقيت بلغة الكلام خارج القفص وأطلقت العنان للغة الحمام تتكلم ...لم أعد أكلم أحدا... لا صاحب الحمام ولا من كان حاضرا معه...لا أحتاج لرأي أحد ولا للغو أحد. ..فإني ذهبت في عالم آخر...
اقتربت ... دون أن ازيح عيني عليها... أردت أن أمتحنها هل هي من النوع الذي يخاف فيضطر للتخلي عن وكره والبحث عن آخر أيا كان... أو يدخل وسط حمام ليحتمي به...إن كانت على هدا الحال...فقد وقف العداد.
لكن العداد استمر في عمله... فقد صمدت في محلها. ...ثم اقتربت مرة أخرى. ..ثم كليا... مددت نحوها يدي اليمنى دون أن المسها ...فقط لأرى كيف ستتصرف...
تتبعت يدي بنظرة فردية ....مستعملة فيها عينا واحدة ولم تبد اهتماما لما تبقى من جسدي...فقمت بحركة خفيفة بيدي اليسرى ﻻثير انتباهها. ...حينها وبكل سرعة استخدمت عينيها الاثنتين ووجهت لي نظرة شملتني من رأسي إلى قدمي. ..نظرة فيها سؤال ؟؟ وإذا بالعداد يجيب. ..فيصل إلى 20 بالمئة.
حينها وضعت يدي عليها بكل هدوء. حيث يجب أن تتقبلها. .. ربما تبدي بعض المداعبة بمنقارها أو بجناحها. ..وهدا جميل وقد يساهم في زيادة تحريك العداد بعض الشيء ....
أخذتها بيدي اليمنى ثم ذهبت بها إلى يدي اليسرى واقتربت بها إلى صدري كاني اضمها. ..مررت بيدي اليمنى على ظهرها... وبهواجسي خاطبتها اقول (اهدئي فلقد وقعت في غرامك )...وإذا بها تسمع و تستجيب...بحيث أحسست ارتياحها في يدي ...أحسست بها تراسل عقلي وقلبي من خلال يدي...أحسست بها تشاطرني خفقان قلبها...سمعتها. تخاطبني بدورها وتقول. .(اني انا التي تبحث عنها ).
ربما ستخترق هذه الحمامة القماش والغلاف والنقود ...ربما تضع حدا لهدا الصراع بين ...لا .. و...نعم...ربما هي الصورة الدهنية المنقوشة في عقلي...ربما هي الهدف....؟؟؟
ويبدأ الفحص الخارجي.....
أول وأهم شيء آثار إعجابي. ..هو توازنها ومرونتها. ..وزاد إعجابي كثافة ريشها وصلابته وتلا صقه مع بعضه...جمال جناحيها. ..مثانة ظهرها والصدر والكتفين...بريق العينين. ...كل هؤلاء ساهموا في مساعدتها وفتحوا لها الممر الصعب إلى قلبي وقفزوا بالعداد إلى 40 بالمئة...
عندئذ ذهبت بيدي إلى جيبي بحثا عن المكبرة وإلا فلن أتمكن من دراية عينيها على الشكل الصحيح....
عين براقة...بلون واضح مزخرف بشعيرات سوداء ..عين جمعت بين ثلاثة ألوان بتضاريس قوية ممتلئة ...دائرة هلالية سوداء. ...بؤبؤ صغير سريع الانفعال. ...كل هذه الخصال جعلت العداد بدوره سريع الانفعال.
عندما انتهيت من كل هذا الفحص الذي توجب أن يكون دقيقا ومقنعا... والذي اخذت فيه الوقت الكافي حتى اتجنب ارتكاب أي خطأ. ...قمت بتهدئة الحمامة قليلا. ..ثم فتحت يدي وحررتها من قبضتي. ..تعقبتها بعيني لأرى ...هل ستذهب. مباشرة الى وكرها أم ستغير الاتجاه من جراء ما قمت به من ازعاجها. ..فإذا بها تتجه مباشرة الى مكانها بكل ارتياح....وإذا بالجناحين يعودان لوضعهما الطبيعي المعهود فوق الذيل بمجرد نزولها...فتعود لاستقامتها ورشاقتها ... برأسها المرفوع... وصدرها البارز... تعود لانسجامها ...عندئذ تقدمت اليها وذهبت باصبعي نحو منقارها اداعبها واستلطفها. ..يجب أن تبدي اتجاهي بعض الاطمئنان والاهتمام. ..يجب أن اختبرها ان كانت تأثرت أو انزعجت أو خاصمتني. ..فالحمام الذكي يعرف ما نريد منه.
بعد ذلك ذهبت اليها واجبرتها على مغادرة مكانها...ثم وقفت حاجزا بينها وبينه. ..اكتشف ردة فعلها ...أحثها على الانفعال لأعرف مدى تعلقها بوكرها ...لأرى هل ستحتمي بمكان آخر يخص حمامة اخرى - الشيء الذي ﻻ احبذه -...وأفضل أن تقاوم بكل الطرق لتعود إلى وكرها....لا ترتاح لأي مكان آخر. ..وبمجرد ما افسح لها الطريق يجب أن تعود إليه بأسرع ما يمكن. ..أفضل أن تقوم بمشاجرتي دفاعا عن وكرها...لا يجب أن تستسلم بكل سهولة وتتخلى عنه...فقد يتسبب هذا في إيقاف العداد ولكن العداد استمر ليصل 60 بالمئة...
اني حصلت على حمامة تنسيني تلك النقود. ..إنه الهدف الدي جئت من أجله ...والفكرة التي رسمت في عقلي .
وتنتصر .(.نعم).. بعد صراع طويل...
فلا بأس إن وضعت يدي اليمنى على جيبي في اليسار واخرجت تلك النقود. ...
عدت ادراجي وفي يدي حمامة. ..وفي نفسي شيء من ثلك النقود .
دخلت القفص الخاص بي ....إنه حالي مع الحمام. ..أخرج من قفص وادخل قفصا...
أغلقت الباب ورائي ...أخذتها بين يدي من جديد ..قمت ببعض اللمسات الترحاببة عليها... ثم تعمدت تحريرها عن بعد من الأوكار. ..وذلك لأرى هل ستذهب مباشرة الى وكر ما دون إعارة أي اهتمام لما هو جديد عليها ... أم ستدرك التغيير بسرعة. وتبحث عن الشباك بغية الفرار...
تعجبني الحمامة التي تمتاز بسرعة البديهة...
لن يتوقف العداد في رأسي بمجرد شرائها...سيظل يعمل ويعمل...وسيبقى الصراع متواصلا بين ﻻ..ونعم
فإما أن يصل العداد إلى المطلوب والا فقد يتغير الأمر.
ربما يظهر ما لم يكن في الحسبان. ..إنه الحمام يااخوتي... إنه كيان آخر ونحن كيان. ..ويقول المثال الدارج (متعرف صاحبك حتى تعاشرو)....
أحب الحمامة التي تحزن من جراء فراقها لمكانها الأول. ...أحب الحمامة التي تظل قابعة في ركنها لا تعاشر الحمام الجديد عليها ولا تستأنس بكل سهولة...لا تهتم بالجوع من أول وهلة. ..أحب تلك التي يسيطر عليها حبها لوكرها الأول مدة طويلة ولو اقتضى الحال شهورا متعددة. ..فقد يصل العداد معها مئوية ضخمة...
فكم من حمام علمني مالم اكن أعلم. .. ..كم من حمام اشتريته وبعد ذلك تغيرت نظرتي إليه. ..وتغير احساسي به قبل الشروع في استخدامه للتزاوج. ..وكم من حمام خاب ظني فيه....
وكم من حمام يمتاز بجمال المعيار وكماله ولا يفيده ذلك في السباقات. ..فمثله مثل عارضات الأزياء. ..وكم من حمام يمتاز بعين توحي بالذكاء. ..ولكن ذكاؤه هذا لا يتجاوز القفص. ..وكم من حمام حامل لأمراض وراثية ولا تظهر عليه وإنما يورثها لأبنائه فتصبح عائقا في السباقات. ..وكم من حمام لا ينقصه شيء إلا أنه عديم العطاء...وكم من حمام كقفل محكوم الإغلاق...لا يفتح إلا بمفتاح خاص به....وكم.......وكم...والحالات شتى.....
بهذه النسبة البسيطة من الحكمة اللتي أدعي....اجد نفسي دائما في صراع بين ...لا....و...نعم...
ويستمر الصراع بينهما ولا ينتهي........
فلا تكن مطمئنا كل الاطمئنان...فيما يخص الحمام...ولا تيأس كل الياس. ...ولكن ...ليس هناك احسن من الإيمان بشيئ يعجبك والاعتماد عليه..حتى ولو كان ...هذا الإيمان به ....مشبوها ... 

الهويتر عبد الكبير

1 Commentaires: